وهبة الزحيلي

246

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

مختلفة ، بضرب الأمثال ، وعقد التشبيهات ، وتصوير المعاني بصور المحسوسات المألوفة ، لترسيخها في الأذهان ، وتثبيتها في أعماق الفؤاد والنفس ، فيصير الإيمان راسخا في القلب كالجبال الراسيات . وهذا من مزايا القرآن البلاغية الرائعة أنه يصور المعقولات والمعاني بصور الماديات والمحسوسات . وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي واللّه عالم علما تاما شاملا بجميع الأشياء المعقولة والحسية ، الباطنة والظاهرة ، يمنح الهداية لمن كان أهلا لها ، مستعدا لتلقيها . وهذا وعد لمن أعمل فكره ووعى وسائل الهداية ، ووعيد لمن أعرض ، فلم يتدبر ولم يتفكر فيها ، ولم يكترث بها . والخلاصة : هذا مثل نور اللّه وهداه في قلب المؤمن ، فكما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإذا مسّته ازداد ضوءا على ضوء ، يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاء ازداد هدى على هدى ، ونورا على نور . فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآية لا يراد بها ظاهرها وإنما هي مؤولة ، وتأويلها مختلف فيه ، وأصح التأويلات ما ذكره جمهور المتكلمين وابن عباس وأنس « 1 » : وهو أن اللّه هادي أهل السماوات والأرض ، وهداية اللّه تعالى قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات ، وتلك الهداية هي الآيات البينات القائمة في الكون والمنزلة على الرسل بمنزلة المشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية ، وفي الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بالغ النهاية في الصفاء . ومثل نور اللّه أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ، مثل المصباح الذي تكاملت فيه وسائل الإنارة وهي المشكاة ( الكوّة في الحائط غير النافذة )

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 23 / 231 وما بعدها .